
الثورة الذهنية في الشرق الأوسط
القائد عبد الله أوجلان
توغَّلَت الحداثةُ الرأسماليةُ في الشرقِ الأوسطِ من خلالِ الذهنيةِ التسلطيةِ أولاً، مثلما فعلَت على الصعيدِ العالميِّ أيضاً. فهيمنةُ الذهنيةِ المسماةِ بالاستشراقيةِ تَعودُ بماضيها إلى ما قبل قرونٍ عدة. ولَربما امتدَّت بجذورِها إلى عهدِ التوسعِ الثقافيِّ الإغريقيِّ – الرومانيّ. فالحروبُ الصليبيةُ الدائرةُ في العصورِ الوسطى، غالباً ما كانت حروباً ذهنية. لكنّ الغزوَ الفكريَّ الأصلَ حصلَ مع صعودِ الحداثةِ الرأسمالية. هذا وينبغي عدم الإغفالِ بأنّ العاملَ الذي فتحَ الطريقَ أمام ازدهارِ أوروبا الغربية، هو تفوُّقُها في وعيِ الحقيقة. ولتكييفِ الخبرةِ الشرقيةِ مع ظروفِها الملموسةِ نصيبُه المُعَيِّنُ في ذلك. وهكذا، فإنّ عصورَ النهضةِ والإصلاحِ والتنويرِ قد مَكَّنَت من تفوقِ وعيِ الحقيقةِ لدى أوروبا الغربيةِ على صعيدِ العالمِ أجمع. فبقدرِ ما حلَّلَت نفسَها، تمكَّنَت بالمِثلِ من تحليلِ العالمِ عموماً، والشرقِ الأوسطِ على وجهِ الخصوص. وقد جعلَت الرأسماليةُ وعيَ الحقيقةِ حِكراً عليها، مثلما تبنَّت واحتكرَت أيضاً العديدَ من التطوراتِ الإيجابيةِ حديثةِ العهد. وهكذا، كانت أوروبا قد بسطَت احتكارَها على وعيِ الحقيقةِ منذ زمنٍ طويلٍ مع حلولِ القرنِ التاسع عشر. هذا وحقَّقَت دخولَها إلى منطقةِ الشرقِ الأوسطِ مُسجّلةً التفوقَ نفسًه في وعيِ الحقيقة. حيث باشرَ المبعوثون قبل كلِّ شيءٍ بعودةِ اكتشافِ المنطقة. ثم تحوَّلَت طريقةُ تناوُلِ الكشّافةِ الرُّحّالينِ والباحثين العلميين للمنطقةِ وكيفيةُ فهمِهم إياها إلى مدرسةٍ فكريةٍ سُمِّيَت “الاستشراقية”. بمعنى آخر، فالاستشراقيةُ هي الهيمنةُ الذهنيةُ لمدنيةِ أوروبا الغربية. وهكذا، فقدَ الشرقث استقلالَه الذهنيُّ تدريجياً اعتباراً من القرنِ التاسع عشر، نظراً لبسطِ نفوذِ الأفكارِ الاستشراقية. وانضوى المتنورون الشرقيون والنخبةُ النابغةُ منهم تحت لواءِ حاكميةِ الفكرِ الاستشراقيّ. ونجحَت جميعُ المشتقاتِ الفكريةِ المنبثقةِ عن الليبرالية، وعلى رأسِها القوموية، في الاستيلاءِ على الذهنيةِ الشرقية. بل حتى إنّ التيارَ الإسلامويَّ الجديدَ والحركاتِ الفكريةَ الدينيةَ الأخرى، قد تصاعدَت مركونةً إلى القوالبِ الاستشراقية.
إنّ حركاتِ الدولتيةِ القوميةِ المتناميةَ بالتزامنِ مع القرنِ العشرين، لَم تَكُ في مضمونِها سوى بمثابةِ مؤسساتٍ عميلةٍ للفكرِ الاستشراقيّ. أي إنّ مؤسِّسي الدولةِ القوميةِ لَم يَكونوا قطّ أصحابَ فكرٍ استقلاليٍّ على حدِّ ترويجِهم الدائمِ لذلك، وما كان لهم أنْ يَكُونوا كذلك البتة. فجميعُ الصياغاتِ الفكريةِ البارزةِ في الشرقِ الأوسطِ خلال القرنِ العشرين، بما فيها الفكرُ اليساريّ، كانت ممهورةً بطابعِ الاستشراقية. وبالرغمِ من إطلاقِ تسميةِ “الحقائقِ العلميةِ العالميةِ” على الأفكارِ التي جرى تكييفُها ومحاكاتُها لواقعِ المنطقةِ باسمِ علمِ الاجتماع، إلا إنّ جميعَها كانت استشراقيةً في مضمونِها. وبطبيعةِ الحال، تستقي الاستشراقيةُ قوتَها من دنوِّها إلى الحقيقةِ بنسبةٍ أكبر بكثيرٍ من القوالبِ الذهنيةِ القديمة. ونظراً لانخفاضِ معدلِ الحقيقةِ ووهنِها ضمن أفكارِ ناقدي الاستشراقيةِ مقارنةً مع ما هو عليه لدى الاستشراقيين، فإنهم كانوا عاجزين عن إحرازِ النجاح. هذا وبالمقدورِ قولُ الأمرِ عينِه بشأنِ النخبِ السلطويةِ الاستشراقيةِ أيضاً، كـ”تركيا الفتاة” و”جمعيةِ الاتحاد والترقي” على سبيلِ المثال، والتي كانت تنتهلُ قوتَها من ذهنيتِها الاستشراقيةِ الأقوى والأوطد نسبةً إلى الذهنياتِ القديمة. وهذا الوضعُ هو الدافعُ الأوليُّ وراء خروجِهم بنجاحٍ موفقٍ من صراعِ السلطة، سواء في عهدِ المشروطيةِ أم الجمهورية. كما ويتعينُ المعرفةُ يقيناً أنّ الاستشراقيةَ الغربيةَ تُشَكِّلُ منبعَ القوةِ الكامنةِ خلف نزعةِ الجمهورياتيّةِ التركية. أما السببُ وراء قيامِ النخبِ السلطويةِ منذ أمَدٍ بعيدٍ بتحويلِ اتجاهِ قِبلَتِها من مكة إلى باريس، فكان النجاحَ والمتانةَ والاستقواءَ الذي حقَّقَه الفكرُ الاستشراقيُّ فيها. ومع تأسيسِ الدولةِ القومية، بلغَ الفكرُ الاستسراقيُّ أَوجَه، وبسطَ احتكارَه على كافةِ الذهنياتِ الأخرى. إذ لَم يَبسطُه في الحقلِ الأيديولوجيِّ وحسب، بل وفي المجالِ الفنيِّ أيضاً. كما وفكَّكَ أواصرَ الأخلاقِ التقليدية، ممهداً السبيلَ إلى القوالبِ الأخلاقيةِ الغربية.
وقدَّمَ عددٌ كبيرٌ من المفكرين إسهاماتٍ ثمينةً للثورةِ الفكرية التي كشَفَت النقابَ عن دورِ الشرقِ الأوسطِ من جهةِ كونِها مهدَ نظامِ المدنيةِ المركزية، يتقدمُهم في هذا المضمارِ كلٌّ من جوردون تشايلد، صموئيل كريمر[1]، وآندريه غوندر فرانك. وهكذا، فقد تمَّ عيشُ نهضةً فكريةً بكلِّ معنى الكلمة، مع الاستمرارِ في بسطِ حدودِ الحداثةِ الرأسماليةِ وتطورِ الشرقِ ارتباطاً بنُظُمِ المدنيةِ المركزية. أما أفكارُنا بشأنِ السياسةِ الديمقراطيةِ والعصرانيةِ الديمقراطية، والتي سعينا إلى رسمِ ملامحِها وصياغتِها في المرافعاتِ على شكلِ حلقاتٍ تزدادُ اتساعاً وعُمقاً بنحوٍ طرديّ؛ فقد أضحَت مُتَمِّمةً لأفكارِ أولئك المفكرين، ولو عن دونِ قصد. وفيما يتعلقُ بالتقييماتِ والشروحِ التي تناولَت موضوعَ ولادةِ نظامِ المدنيةِ المركزية، ومدى تأثيرِه ودورِه في صعودِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخل أوروبا الغربية؛ فقد كانت صحيحةً وصائبةً بخطوطِها العريضة.
كان التأثيرُ المشتركُ لكافةِ هذه العواملِ الفكريةِ الثوريةِ قد أفضى إلى ثورةٍ ذهنيةٍ متسارعةٍ في وجهِ الذهنيةِ الليبراليةِ والاستشراقيةِ بدءاً من تسعينياتِ القرنِ العشرين. وبالرغمِ من التأثيرِ المحدودِ لتلك الثوراتِ الذهنيةِ على المرافعات، إلا إنّ ما طغى عليها كان بمثابةِ ثورةٍ فكريةٍ وتطورٍ فكريٍّ تدريجيٍّ في آنٍ معاً، يُعمَلُ على صياغتِه بمنوالٍ مستقلّ. تتسمُ بعظيمِ الأهميةِ الثورةُ الذهنيةُ التي تخطَّت الاستشراقيةَ وتخلصَت من تَبِعاتِ المذاهبِ المركزيةِ واليمينيةِ واليساريةِ للّيبراليةِ على حدٍّ سواء ضمن منطقةِ الشرقِ الأوسط. هذا وينبغي عدم التناسي إطلاقاً أنه محالٌ عيشُ أيةِ ثورةٍ اجتماعيةٍ راسخةٍ ودائمة، ما لَم تُعَشْ الثورةُ الذهنية. والصياغةُ التي تحتوي عليها المجلَّداتُ الخمسةُ الأخيرةُ من مرافعاتي، تبسطُ للعيانِ مَرامَنا من مصطلحِ الثورةِ الذهنيةِ في الشرقِ الأوسطِ بخطوطِه العريضة. يتعينُ عليَّ التشديدُ على أهميةِ سكبِ ذلك في الممارسةِ العملية، عوضاً عن تكرارِ التنويهِ به. فأثمنُ الأفكار، أي تلك التي نصيبُها من الحقيقةِ جدُّ وطيد، لن تُعَبِّرَ عن أيِّ شيء، ما لَم تُطَبَّقْ عملياً. وحتى لو اتّحدَ العالَمُ كلُّه وأجمعَ على فكرةٍ خاطئةٍ أو نصيبُها من الحقيقةِ واهن، فإنّ شخصاً واحداً فقط قادرٌ على الوقوفِ في وجهِ العالَمِ برمتِه، والدفاعِ بنجاحٍ موفقٍ عن فكرةٍ نصيبُها من الحقيقةِ أرقى، وإحرازِ نصرِها المؤزرِ في نهايةِ المطاف، حتى ولو التَزَمَ بها لوحدِه دوناً عن غيرِه. والتاريخُ البشريُّ مليءٌ بالأمثلةِ على ذلك. وما يؤدي إلى ذلك هو قوةُ الحقائقِ الغالبةُ دوماً. قد تُقمَعُ الأفكارُ المُعَبِّرةُ عن الحقيقة، وقد تُجازى؛ ولكنها لن تُهزَمَ أبداً.
كنتُ، أو كنا قد باشَرنا بالممارسةِ العمليةِ محَصَّنين بأفكارٍ نصيبُها من الحقيقةِ كان جدَّ محدودٍ في بادئِ الأمر. وبتصعيدِ الممارسةِ العمليةِ بصدقٍ وإخلاص، ضاعَفنا من نسبةِ الحقيقةِ في الأفكار. ومع الانكبابِ على الممارسةِ العمليةِ مُحَصَّنين بالأفكارِ التي تضاعفَت نسبةُ الحقيقةِ فيها، بات لا مفرّ من خوضِ ممارساتٍ عمليةٍ أكثر توفيقاً. النتيجةُ الأوليةُ التي ينبغي استنباطُها من هنا، هو أنّ الحقائقَ الكبرى وما تَنُمُّ عنه من ممارساتٍ ميدانيةٍ عظيمة، قد تبدأُ بكلملةٍ واحدةٍ فقط إذ ما تَطَلَّبَ الأمر. ففي حالِ الالتزامِ بالكلمةِ بصدقٍ وإخلاص، وعدمِ التخلي عن جهودِ توحيدِها مع الحياة؛ يغدو لا ملاذ من تعاظُمِ الحقيقةِ وتقديمِها نفسَها وكأنها انتصارٌ للحياةِ الحرةِ داخل المجتمع. فالمجتمعاتُ ظواهرٌ عطشى للحقيقة، كما التربةُ الظمأى للماء. وبإرواءِ ظَمَأِها ذاك، تتعرفُ المجتمعاتُ على الحياةِ الحرةِ والديمقراطيةِ كما التربةُ المزدهرة.
كانت منطقةُ الشرقِ الأوسطِ قد شهدَت سياقاً مماثلاً خلال القرنِ الثاني عشر، عندما بسطَت دوغمائيةُ المدرسةِ الإسلاميةِ نفوذَها في وجهِ الفلسفةِ والعلمِ والفنّ. والأزمةُ التي تغلغلَت داخلَ العلمِ والفلسفةِ والفنِّ في أوروبا، قد وجدَت معناها مع تردّي مكانةِ الاستشراقيةِ وتراجُعِ شأنِها في الشرقِ الأوسط. وكان هذا تطوراً إيجابياً بجانبِه هذا، إلا إنه كان يحتوي على المخاطر، لعجزِه عن إنجازِ ثورةٍ ذهنيةٍ بديلة. حيث لَم تُعَشْ ثورةٌ ذهنيةٌ جذريةٌ في المنطقة، بالرغمِ من ظهورِ بعضِ التطوراتِ المحدودةِ إزاء ذهنيةِ الغربِ المهيمنةِ وطرازِه في الفنِّ والحياة. بل استمرّت الأزمةُ في هذه الساحةِ أيضاً، مثلما الحالُ في بقيةِ الساحات. كان بإمكانِ الشرقِ الأوسطِ تحويلُ المخاطرِ الناجمةِ عن تلك الأزمةِ إلى فرصةٍ سانحة. ولِحُسنِ حظِّ الثورةِ الكردستانيةِ المُطَوَّرةِ بما يتلاءمُ مع نظريةِ ومصطلحاتِ العصرانيةِ الديمقراطية، هو كونُها تتحققُ في عهدِ الأزمةِ التي تعاني منها الحداثةُ الرأسماليةُ في الذهنيةِ وطرازِ الحياة. وبوسعِها تعميقُ ثورتِها الذهنيةِ والأخلاقيةِ والجماليةِ بكلِّ ما أُوتِيَت من طاقة، بحيث تجعلُها مُلكاً للفرد، وتعمِّمُها بذلك على شعوبِ الشرقِ الأوسطِ قاطبة. هذا وبإمكانِها عبرَ ثورتِها الخاصةِ بها تقديمُ الإسهاماتِ الهامةَ للثقافةِ التاريخيةِ الشرقِ أوسطيةِ المتميزةِ دائماً بالتكاملِ والكونية، وتقييمُ الحياةِ نفسِها وكلِّ مجالٍ من مجالاتِها على أنه مدرسةٌ ناجعةٌ في سبيلِ إنجازِ ذلك. هذا ويكمنُ حُسنُ طالعِ الشعوبِ والأفرادِ الذين فقدوا كلَّ ما لديهم، في تَمَثُّلِهم القيمَ الثوريةَ والحَيَواتِ العامرةَ بالحريةِ والأخلاقِ والجمال، وفي تَبَنّيهم إياها وكأنهم عطشى لها. فلتَكُنْ الحداثةُ الرأسمالية، ولكنْ بشرطِ ألا تُلَوِّثَنا بقَيئِها وتَفَرُّثِها. ولِحُسنِ الحظِّ أنهم لَم يتلطخوا بها، أو نادراً ما تلطخوا. والأبهى والأروعُ من هذا وذاك، هو تشاطُرُ قِيمِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ المتناسبةِ مع طبيعتِنا الاجتماعيةِ وأنشطتِنا الفردية، وتشاطُرُ الأمةِ الديمقراطيةِ وطرازِ الحياةِ الاقتصاديةِ المشاعيةِ والأيكولوجية، وتشاطُرُ عِلمِها وفلسفتِها وفنِّها بروحٍ مفعمةٍ بالحريةِ والمساواةِ والديمقراطية؛ وجعلُ كلِّ ذلك مُلكاً للمجتمع.
تم أختيار هذا المقال من العدد الخامس لمجلة نيسان