يمكن تقسيم حياتي الشخصية والتنظيمية إلى ثلاث فترات

تبتدئ الفترة الأولى بعزمي على تأسيس مجتمعيتي، ومقاومتي أمي في ذلك. وتبدأ بذهابي إلى المدرسة الابتدائية، بعد إبدائي ردود الفعل تجاه العائلة والقرية أولاً. فالشروع بتلقي التعليم الابتدائي هو الخطوة الأولى الهامة في بروز الاهتمام بالتدول. حيث تخطو الشخصية خطوتها الانتقالية من المجتمع المشاعي إلى المجتمع الدولتي، وتسير بالترافق مع التمدن، وتَعتَبِر القيم المدينية أكثر تفوقاً من القيم المشاعية الجبلية. أما مراحل الدراسة الإعدادية والثانوية والجامعية، والتوظيف؛ فهي استعدادات أولية لتكوين رجل الدولة. وتهيمن شخصية المدينة والدولة بشكل متصلب في شخصيات الجميع في هذه الفترة من العمر. أما كون المرء يمثل حالة متخلفة وقومية مسحوقة؛ فيتحول إلى ردود فعل تجاه الدولة. لكن التعاطف اليساري لا يعني في حقيقته سوى التطلع إلى دولة عادلة متساوية وأكثر إنماءً. تُفصَل الشخصية بنسبة ساحقة عن أواصرها مع المجتمع التقليدي في هذه الفترة، لتَنكُر المجتمع الأمومي المشاعي والجلبلي النَّسَبي الأصل بنسبة كبرى، وتتشكل عوضاً عنها شخصية مهمشة كثيراً، تنكر ماضيها في ذاتها، وتستصغره، في حين تتعبد عظمة الدولة والمدينة وتقدسها، وتهرع مهرولة صوب النظام الرسمي بشكل أعمى. وهكذا تحصل مجزرة مأساوية في الشخصية.
لقد غدت هذه الشخصية الجديدة “المهووسة بما آلت إليه”، والتي تزدري وتستحقر مجتمعها القديم، أمها وأبيها، إخوتها وأخواتها، جيرانها، قريتها، أقاربها، العجائز، الأطفال، النساء، نَسَبَها، وطبقتها؛ غدت آفة كارثة في كافة البلدان المتخلفة. حيث يغترب الإنسان بشكل جذري عن قيمه الاجتماعية الأولية، بتمسكه بحداثة جوفاء. حتى لو تبنت هذه الشخصية المترعرعة في ظل التفوق الساحق للنظام الرأسمالي، النهجَ اليساري بردود فعلها الزائفة؛ فإنها تبقى مهمشة، ويستمر انقطاعها عن المجتمع بالتجذر والغور. فالمدارس والعمل في المدينة، والتوظيف في دوائر الدولة، قد قطع أواصر هذه الشخصية بالتاريخ والتقاليد والأعراف، ليحولها إلى شخصية “تَنَكة”. لكن كل ما يصدر من هذه الشخصية البليدة، اللامبالية، الإنكارية، المأجورة، والمنجرَّة وراء دعارة المدينة؛ محكوم عليه بالإفلاس، تجاه الرأسمالية والقيم الاجتماعية المعيقة لها. ويَمُتُّ عجز تيارات الاشتراكية المشيدة والديمقراطية الاجتماعية والتحرر الوطني عن تحقيق التحول الاجتماعي الحقيقي، بِصِلة كثيبة بهذه الشخصية. تعود الأسس الاجتماعية لكافة أنواع الأيديولوجيات الانحرافية والفاشية والتوتاليتارية، وممارساتها العملية، إلى تكوُّن هذه الشخصية، التي حققت انطلاقتها مع الثورة الفرنسية؛ لتفقد بهاءها وجاذبيتها في التسعينات، وتَلِج مرة أخرى مرحلة التحول الطبيعي والتأقلم مع الطبيعة، في نهاية المآل.
المرحلة الثانية من حياتي: يحصل في هذه المرة الانقطاع من المجتمع البورجوازي ودولته، لتبدأ تجربة تشكيل مجموعة أيديولوجية مستقلة، تهدف إلى تأسيس نظامها الاجتماعي والسياسي المعاصر الخاص بها. ففي حين تشكلت المجتمعية الأولى بقراءة الأدعية الدينية، والذهاب إلى المدرسة الابتدائية مع بقية الأطفال الآخرين؛ تطورت المجتمعية الثانية مع الطلاب الجامعيين، على ضوء الأيديولوجية اليسارية والوطنية. ورغم إعادة محاولات البحث والتمحيص في المجتمع الذاتي، تجاه القيم التي تنشرها الرأسمالية وفاشيتها القوموية المهيمنة؛ إلا إنها بقيت بعيدة عن بلوغ مآربها الحقيقية، لافتقار التيارات اليسارية والقوموية الموجودة القدرةَ على تخطي معايير الحياة الرأسمالية.
هذه الفترة، التي يمكننا تسميتها بالحملة الأولى للتحول إلى PKK، كانت كالورقة في مهب إعصار أعوام السبعينات. فبقدر انقطاعها عن العالم التقليدي، لم تلتحم أيضاً بالقيم الجوهرية للرأسمالية. كانت مرحلة مثلى من المذهبية والهامشية. وشهدت عدداً لا حصر له من المجموعات والتكتلات، التي أُسِّسَت بشكل مشابه وزالت بسرعة. وابتدأت منازعة تجاه الدولة، أشبه بمنازعة النملة تجاه الفيل. وبرزت المساعي في كشف النقاب مجدداً عن المجتمع والوطن، ببحوثات نظرية وعملية. وحُذِيَ حَذْوُ النموذج (الموضة) اليساري الشائع في عموم العالم من جهة، وتلقيح المجتمع القديم به من جهة ثانية. وعقدنا آمالنا على تحقيق النصر، كمن يدعو أن تمسك الطينة ويحصل المنال. وغدونا نملك فكراً خاصاً بنا، ومجموعتنا تنمو وتكبر عددياً.
بدأنا نشعر بأننا مختلفين، فاحتمال نجاح التلقيح كبير. ولدى التوجه نحو الوطن، كالدودة التي خرجت للتو من شرنقتها؛ كان علينا الاعتراف بولوجنا التام مرحلة من الثقة بالذات والحماس الجياش. تولَّد الأمل بإمكانية تحقيق اليوتوبيا. وبتحولنا من التأييد المجموعاتي الضيق إلى التأييد الشعبي الجماهيري، نضجت ثقتنا بذاتنا، وتعززت أكثر. تعرَّفْنا على قوة السلاح. وبلغنا قمم الوطن بمشقة، على نحو مجموعات أنصارية مدربة ومسلحة بموجب أنموذج الحركات الوطنية المعاصرة. وأتى الدور على القيام بحملة تاريخية جديدة.
يصلح أن يكون القسم الأول من حياتي، والذي يشمل الفترة الممتدة ما بين أعوام 1972 – 1984، موضوعاً يستحق الدراسة من جوانب متعددة. يمكن تسميته أيضاً بحملة يقظة الشعب الكردي المحروم تجاه العصر. أو نعته بالتمرد الأول، أو الطلقة الأولى الموجهة نحو القدر الأعمى. أو النظر إليه على أنه صرخة الكرامة والشرف. وقد يُضفى عليه معنى، يماثل العملية الموفقة الأولى، التي قام بها سيدنا داوود تجاه غولياد. أو أن يُعتَبَر إحدى أولى خطوات التجاسر على حرية التفكير. أو حملة الانقطاع عن معايير وأحكام العبودية المتجذرة منذ آلاف السنين. كما يُعتَبَر مرحلة، يمكن تعريفها بالميلاد الثاني ذي المعاني السامية، والمتطلب للحظ قليلاً، وللكدح والعقيدة قليلاً، ليرى النور وينجح. أو تعريفه أيضاً بمرحلة إعادة اكتساب البراديغما.
أما القسم الثاني من المرحلة الثانية من حياتي، فيشمل الفترة الممتدة من 15 آب 1984 إلى 15 شباط 1999. تُعتَبَر هذه الفترة الممتدة على طول خمسة عشر عاماً، فترة مذهلة، غلب عليها الكفاح المسلح كحملة ثانية للتحول إلى PKK. يمكن تشبيهها بمجموعات البابكيين، الخوارج، القرامطة، وحسن الصبَّاح. وبينما غلب الطابع العيسوي على القسم الأول من هذه المرحلة، نرى أن مزيجاً من الموسوية والمحمدية غلب على قسمها الثاني. فمهمة إيصال مجموعة النازحين السائرة بمشقة إلى “الأراضي المقدسة الموعودة” تتطلب كفاءات قديرة وجهوداً مضنية. وبينما تحاكي مسألة “الإيصال” سيدَنا موسى، فإن “عمليات الحرب” تذكِّرنا بمثيلاتها التي قام بها سيدنا محمد في المدينة المنورة. لقد هيمن جوٌّ كهذا من الإيمان والعقيدة الروحانية. أما إعداد الذات لتلك العقيدة، فكان مفعماً بإيمان كلي. فالاشتراكية العلمية تطبَّق بعد اكتسابها قوة الإيمان، والحرب عملية مقدسة بكل معنى الكلمة.
وبينما يُهمَّش الإنسان الفرد تدريجياً، يصبح الهدف كل شيء. بل حتى أن الانتباه إلى إصابة التاريخ بمرض السلطة المثالي، أمر عصيب للغاية. فالشخصية الجبلية الهزيلة، المعرضة لقصف كثيف في أوساط المدينة والدولة على مر سنين عديدة؛ يصعب عليها التعرف على أي كفاءة أو مهارة، سوى الالتصاق بالسلطة والتشبث بها. أو أنها تعجز، بأي شكل من الأشكال، عن اختراق دائرة التفكير ببُعد أحادي. هذه الشخصية، التي جردتها الرأسمالية من كل شيء، وتركتها وحيدة؛ عندما تبلغ إلى مستوى منظَّم بما تملكه من إمكانيات، تعيش المجتمعية في هذه المرة بشكل مذهل ومناقض لما هو موجود. وبإيمان منا بأن هذه المزية المثلى هي الأقدس على الإطلاق، اقتنعنا بوجوب نكران الذات والتضحية بكل شيء.
مرحلة حياتي الثالثة، هذا إن صح تسميتها بالحياة اسماً ومضموناً، تبدأ بيوم 15 شباط 1999 لتستمر حتى نقطة النهاية. تتمثل خاصيتها المميزة في بدء الانقطاع عن الحياة المتمحورة حول الدولة عموماً، وعن الحياة الرأسمالية المعاصرة خصوصاً. فأنا لم أعد أعدو وراء الحياة الوحشية الغريبة. إذ لا طاقة لي للرجوع عشر آلاف سنة إلى الوراء. لكن، من المؤكد أن بعض القيم الإنسانية الأساسية متوارية في تلك السنين. وبدون تأمين الالتحام بين تلك الحقبة التي اقتطعَتْها وبترَتْها الحضارة بألف دسيسة ودسيسة من جهة، وبين المستوى العلمي والتقني الذي تشهده البشرية الآن من جهة أخرى؛ كان من المحال أن يتحقق الخلاص الحقيقي والحرية الحقيقية للإنسان.
إن الانقطاع عن الحياة المتمحورة حول الحضارة والدولة ليس بتراجع أو تقهقر. بل على العكس، فالتراجع عن الانقطاع المميت عن الطبيعة، والتخلي عن شخصية السلطة المنفوخة والمبالغ فيها، والمعتمدة على الكذب والخداع وسفك الدماء؛ إنما يعني إمكانية بلوغ السلامة الأسلم على الإطلاق. إنه توجه من المجتمع المريض إلى المجتمع السليم، ومن المجتمع الكاتم للأنفس، الهزيل والمشوه البنية، المنقطع عن البيئة، والمفرط في التمدن بدرجة سرطانية؛ إلى المجتمع الأيكولوجي. وهو توجه من المجتمع الدولتي والتوتاليتاري من قمته إلى أدناه، إلى المجتمع المشاعي الديمقراطي والحر المتساوي.
إن الخلاص من مجزرة الحيوانات المطبقة بتقاليد الصيد، ومن مجزرة الإنسان على يد الحضارة، ومن حلقات السلسلة المتوالية للرأسمالية، والتي تتمخض عن الكوارث الطبيعية؛ قد يُشرِع الأبوابَ أمام إنسانية جديدة. فالشخصية الأخلاقية السياسية المتآلفة مع الحيوانات، المسالمة للطبيعة، المعتمدة على بنية القوة المتوازنة مع النساء، السلمية، الحرة والعادلة، الشغوفة بالحياة، المخرِجة للقوة العلمية والتقنية من كونها ألعوبة بيد السلطة والحروب؛ كانت تجذبني إليها، بقدر قوة انجذاب أنكيدو نحو المدينة والدولة، بأقل تقدير. كانت مفعمة بالمعاني. مؤكَّدٌ أني لا أتحدث عن حنينٍ أو شوقٍ تولَّد لدي في الحجرة الانفرادية للسجن. بل أتحدث عن براديغما فكرية وروحية. لقد سئمتُ وضجرتُ – بحق – من التقربات الطبقية، ومن تعبُّد القوة العظمى وتقديسها، ومن كل أنواع الحياة المبهرة كالنجوم البراقة تحت بقع الدم المسفوكة في كافة العصور والحضارات؛ بل وأنقم عليها أيضاً.
أود أن أبدأ مرحلة حياتي الجديدة بتقديم العذر وطلب الصفح من الطيور التي بترتُ رؤوسها واصطدتُها بمكر دون أن يرف لي جفن، عندما كنتُ طفلاً؛ بسبب ثقافة وتقاليد الصيد المعششة في جيناتي. ومن الحيوانات التي قتلتُها. كلي إيمان بأن ذروة الحياة السعيدة تكمن في مكان مليء بالأكواخ المحاطة ببيئة خضراء مزهرة، لا في دوائر القصور الفخمة. وكلي إيمان ببلوغ فضائل الحياة، عبر الإصغاء إلى صوت الطبيعة النابع من الصميم والالتحام بها، بكل ألوانها وأصواتها ومعانيها. كلي إيمان قاطع بأن التقدم الحقيقي لا يمر من المدن العملاقة، أو من صلاحيات السلطة والهيمنة. بل على العكس، كل ذلك ليس إلا منبعاً للأمراض العضال المستعصية. وأومن بالمقابل بأن الثورة الحقيقية تعني العيش في مكان يتعدى القرية القديمة والمدينة الحديثة على السواء، ويلبي متطلبات الاستقرار الأيكولوجي بآخر مكتشفات العلم والتقنية. كلي إيمان بأن البنى الحضارية العملاقة البينية هي لَحْدُ الإنسانية وقبرها. وكلي إيمان بأنه، إذا كان ثمة مسيرة نحو المستقبل، فستكون ذات معنى وقيمة باهظة تستحق السير فيها، إنْ كانت في ضوء هذه الحقائق.
إن الانقطاع عن الحضارة الهرمية الدولتية الطبقية، هو الانتقاد الأعظم للذات. وكلي ثقة وإيمان بأنني سأفلح فيه. تجتاحني رغبة عارمة في الانضمام إلى عوالم طفولة البشرية، والكادحين، وإلى تاريخ الشعوب المنسي والمتناسى، وإلى العوالم الحرة المتساوية الموجودة في يوتوبيات الأطفال والعُجَّز الصغار وخيالاتهم؛ وأن أحقق النجاح الموفق هناك.
كل هذا يوتوبيا. لكن الخيالات واليوتوبيات تكون في بعض الأحيان النفحة العليلة الوحيدة المنقِذة، في مسيرة الحياة الموجودة داخل البنى الأسوأ حتى من القبور. بالطبع، ستتم الانطلاقة أولاً باليوتوبيا، للنفاذ من البنى الراهنة الأسوأ من القبور. لا تشبه حالتي حالة أي إنسان آخر، ولا أود أن تشبهها. وبما أنني أدركت الأمور وأحسست بها على نحو أفضل، فهذا مؤداه أنني في السبيل الحسن. الإنسان المقتات على المعنى والحس، هو أقوى إنسان. مؤكد تماماً أنني لن أتطلع إلى ارتكاب جرم التشبه بالكبار. وبالأصل، لم أشأ التشبه بأحد، ولم أفلح فيه أبداً. إن ماضي البشرية الغائر أكثر واقعية. وسأكنُّ الاحترام والتقدير له، وسأبحث فيه عن الحياة لأبتدئ بها مجدداً. وما المستقبل سوى حالة تسري فيها آلية هذه المحاولات.
هل أفكر دائماً في ذاتي؟ كلا! فمرافعتي قد تلقن الإنسانية جمعاء بضعة أمور. بإمكان PKK المعاد بناؤه أن يوحد حياة كل رفاقي الأعزاء النبلاء، وأصدقائي ذوي الإرادة المتينة والمعاني الوطيدة. وبمقدور KOMA GEL أن يلم شمل الشعب الكردستاني وأصدقاءه في ظل شمسية ديمقراطية. أما HPG، فبإمكانها خوض حرب دفاع ملائمة تجاه المتحاملين بعشوائية على حياتنا ووطننا ومجتمعنا، ومحاسبة كل متزمت في الفكر، وكل ظالم وباطل. في حين بمقدور نسائنا الأصيلات أن يتوحدن في بنية PAJK، بهوياتهن المتسمة بحكمة الإلهة الربة على مر الأزمنة، وقوة فهمها، وبنقاء الملاك وشفافيتها وزهدها، وبجمال أفروديت.
بينما أقَدِّم مفهومي ومُثُلي الإنسانية الأساسية بهذه المرافعة إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، السلطة القضائية للاتحاد الأوروبي المغتَر بنفسه والمتعجرف كممثل أخير للحضارة؛ بإمكاني الإعراب عن أسفي بأنها لن تلعب دوراً أبعد من أن تكون آلة بيد شعوذة وسحر مصالح النظام، بدلاً من انتظاري حدوث ما هو إيجابي مرتقب.
مع فائق احترامي وتقديري، وتمنياتي ببناء مجتمع أكثر ديمقراطية وحرية وعدالة.
27 نيسان 2004
سجن الحجرة الانفرادية – مودانيا – بورصة
عبد الله أوج آلان



