مجلة نيسان

الإيزيديون بعد الإبادة: ذاكرة الجريمة وإرادة البقاء

بسمة الدخي

لم تكن إبادة الإيزيديين جريمةً عابرةً في تاريخ المنطقة، بل كانت مشروعًا ممنهجًا استهدف وجود شعبٍ كامل بسبب تمسكه بهويته الدينية والثقافية. لم يكن الهدف السيطرة على الأرض أو تحقيق انتصار عسكري، بل كان الهدف الأعمق هو محو الإنسان الإيزيدي واقتلاع جذوره من أرضه التاريخية، وإنهاء حضوره الثقافي والديني. إن خطورة هذه الجريمة لا تكمن في حجم العنف الذي مُورس فقط، بل في الأفكار التي سبقتها ومهدت لها. فلم يكن الرصاص وحده هو السلاح، بل كان خطاب الكراهية والتكفير والتطرف، الذي حوّل الإنسان المختلف إلى هدف مشروع للعنف. ولهذا فإن مواجهة الإبادة لا تقتصر على محاسبة مرتكبي الجرائم، بل تشمل أيضًا مواجهة الفكر الذي أنتجها، ومنع عودة الخطابات التي تهدد حياة المجتمعات وحقها في الاختلاف.

وبعد مرور سنوات على تلك المأساة، ما زالت بعض الأصوات تكرر اللغة ذاتها التي سبقت الجرائم: رفض الآخر، والتحريض على المختلف، ونشر أفكار الإقصاء. وهذا يؤكد أن مسؤولية حماية المجتمعات من الإبادة لا تقع على الضحايا وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية ترتبط بحماية قيم الإنسانية والتعايش. إن قضية الإيزيديين ليست مجرد قضية مرتبطة بالماضي، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام العالم بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان. فعندما يُستهدف شعب بسبب دينه أو هويته، فإن الخطر لا يهدد جماعة واحدة فقط، بل يهدد فكرة التعايش نفسها. لذلك فإن ضمان أمن الإيزيديين وحقوقهم وكرامتهم ليس مطلبًا خاصًا بهم، بل هو مسؤولية إنسانية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم بحق أي شعب أو أقلية.

المرأة الإيزيدية: هدف للإبادة ورمز للمقاومة

كان استهداف المرأة الإيزيدية جزءًا أساسيًا من المخطط الإجرامي لتنظيم داعش، لأن التنظيم أدرك أن المرأة ليست مجرد فرد داخل المجتمع، بل هي حاملة الذاكرة والثقافة واللغة والتقاليد، وهي الركيزة التي يستمر من خلالها وجود المجتمع عبر الأجيال.

وكما يقول المثل الإيزيدي: **«هكا ته بفيت ته مالكي ئاڤاكي، ژني ئاڤاكا»**، لأن قوة المرأة تعني قوة الأسرة والمجتمع، والحفاظ على قيمه وهويته، ونقلها عبر الأجيال لهذا تعرضت النساء والفتيات الإيزيديات لأبشع أشكال العنف، من الاختطاف والاستعباد إلى الانتهاكات الجسدية والنفسية، في محاولة لكسر إرادة المجتمع وضرب قدرته على الاستمرار. لم يكن الهدف إيذاء الضحية وحدها، بل كان الهدف تدمير البنية الاجتماعية وضرب مستقبل مجتمع بأكمله.

لكن ما لم يدركه تنظيم داعش هو أن المرأة التي حاول تحويلها إلى رمز للهزيمة أصبحت رمزًا للصمود والمقاومة. فالناجيات الإيزيديات لم يكنّ مجرد شاهدات على الجرائم، بل أصبحن أصواتًا للعدالة، وذاكرةً حيةً للإبادة، وشريكاتٍ أساسيات في كشف جرائم التنظيم ومواجهة روايته المتطرفة. لقد أثبتت هؤلاء النساء أن الهوية التي حاول الإرهابيون محوها بقيت حاضرة، وأن الضحية يمكن أن تتحول إلى قوة تواجه الجريمة وتطالب بالعدالة.

شهادة من يوم الإبادة

في يوم الإبادة كنت مع عائلتي في مجمع خانصور. كان الخوف والصدمة أكبر من قدرتنا على استيعاب ما يحدث. كنا نرى الناس يغادرون المجمع، وملامح الرعب والخذلان تملأ وجوههم، بينما نقف نحن بين الحيرة والعجز، لا نعرف ما القرار الصحيح ولا إلى أين يكون الطريق. استمر هذا الوضع حتى بعد الساعة العاشرة صباحًا، عندما جاء أحد أقاربي راكضًا في الشارع وهو يصرخ: «داعش دخلوا إلى المجمع، اهربوا». في تلك اللحظة أدركنا أن الخطر أصبح قريبًا جدًا. طلب والدي من أخي الأكبر أن يأخذ النساء إلى الجبل، بينما قرر هو ومن معه البقاء، لكن والدتي رفضت أن تترك والدي وإخوتي الشباب خلفها. وفي لحظة واحدة اتخذنا قرار الخروج جميعًا نحو الجبل، ونحن نظن أننا سنعود إلى بيوتنا في المساء. لم نكن نعلم أننا لم نكن نغادر مكانًا فقط، بل كنا نغادر حياةً كاملةً لن تعود كما كانت.

عندما خرجنا من المجمع كان المشهد أكبر من قدرة الكلمات على وصفه. رأينا القوات الموجودة تهرب دون مقاومة، تاركةً الأهالي أمام مصير مجهول. كان شعور الخيانة والخذلان عميقًا، وما زال سؤالٌ حاضرٌ حتى اليوم: كيف يمكن أن تُترك عائلات بأكملها دون حماية أمام تنظيم إرهابي؟ ولماذا؟ وفي الطريق قررنا التوجه نحو إقليم كردستان، وقبل وصولنا إلى دهوك وصلنا خبر اختطاف أقاربنا، وأن آلاف النساء والأطفال أصبحوا بيد داعش. في تلك اللحظة رأيت دمعةً في عيني والدي، ذلك الرجل الذي لم أره في حياتي بهذه الحالة من الانكسار واليأس. كان اختطاف النساء والأطفال وسبيهم من أكثر المشاهد التي تركت أثرًا عميقًا في داخلي، لأنني أدركت أن الجريمة لم تستهدف أفرادًا فقط، بل استهدفت عائلاتٍ كاملةً وذاكرة مجتمعٍ بأكمله.

من الاعتراف إلى العدالة

كان الاعتراف الدولي بالإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون خطوةً مهمةً نحو الإقرار بحجم الجريمة، إذ اعترفت العديد من الدول بهذه الإبادة. لكن الاعتراف، رغم أهميته، لا يكفي إذا لم يتحول إلى إجراءات عملية تحقق العدالة، وتنصف الناجين والناجيات، وتمنع تكرار المأساة. المطلوب اليوم هو العمل على مسار شامل للعدالة الانتقالية، يقوم على توثيق الجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإنصاف الناجين والناجيات، وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.

فالعدالة لا تعني فقط معاقبة الجناة، بل تعني أيضًا معالجة آثار الإبادة، وإعادة بناء الثقة، وخلق بيئة يشعر فيها الناجون بأن معاناتهم لم تُنسَ، وأن العالم لم يتخلَّ عنهم. وفي المقابل، تقع على عاتق المجتمع الإيزيدي مسؤولية تاريخية في الحفاظ على هويته الدينية والثقافية، وحماية لغته وتراثه وذاكرته الجماعية. فإعادة بناء المجتمع والتمسك بالهوية يمثلان شكلًا من أشكال المقاومة في مواجهة مشروع الإلغاء الذي حاولت الإبادة فرضه. كما يجب استمرار الضغط على الحكومة العراقية والمجتمع الدولي من أجل تحويل الاعتراف بالإبادة إلى سياسات واضحة تضمن الحماية والحقوق والعدالة. فالإبادة لا تنتهي بمجرد الاعتراف بها، بل تنتهي عندما تتحقق العدالة.

 

تم أختيار هذا المقال من العدد الخامس لمجلة نيسان

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى