رائدات الكلمة والصورة.. غربت آلي أرسوز ذاكرةٌ لا تغيب
الكاتبة هيفيدار خالد
في السابع من تشرين الأول من كل عام، تستعيد صحافة المرأة الكردية واحدة من أكثر صفحاتها حضوراً في الذاكرة؛ إنه يوم صحافة المرأة الكردية، اليوم الذي يتزامن مع ذكرى استشهاد الصحفية الكردية غربت آلي أرسوز، التي لم تكن صحفية عابرة في تاريخ الإعلام الكردي، بل واحدة من النساء اللواتي جعلْن من الكلمة موقفاً، ومن الصورة وثيقة، ومن الصحافة طريقاً إلى الحقيقة والحرية.
بعد تسعة وعشرين عاماً على استشهادها، لم تغب غربت عن المشهد؛ فقد بقيت حاضرة في ذاكرة الصحفيات الكرديات، ليس بوصفها اسماً من الماضي، وإنما باعتبارها إرثاً فكرياً ومهنياً ونضالياً ما زال يلهم أجيالاً من النساء اللواتي اخترن الصحافة مهنة ورسالة، واخترن الكلمة الحرة وسيلة للدفاع عن الحقيقة والإنسان والحرية.
ولم يكن حضور المرأة الكردية في عالم الصحافة وليد السنوات الأخيرة؛ فمنذ أكثر من قرن، بدأت النساء الكرديات شق طريقهن في هذا المجال، حاملات معهن إرثاً ثقيلاً من النضال والتحديات. فقد كانت الصحفية الكردية أمام أكثر من حاجز، وفي مواجهة منظومات اجتماعية وسياسية وثقافية جعلت طريقها إلى الكلمة والصورة أكثر صعوبة، لكنها، رغم ذلك، لم تتراجع.
ومنذ البدايات الأولى، لم تكتفِ المرأة الكردية بأن تكون حاضرة في المشهد الإعلامي، بل سعت إلى أن تكون صاحبة صوت ورؤية، وأن تنقل واقع مجتمعها وقضايا شعبها، وأن تجعل من الصحافة مساحة للتعبير عن المرأة وحقوقها وتطلعاتها.
وفي المجتمعات التي تعيش الصراعات وسياسات الإنكار والقمع، تصبح الصحافة أكثر من مجرد مهنة. إنها فعل مواجهة، والمرأة الصحفية تكون في قلب هذه المواجهة؛ لأنها لا تنقل الحدث فحسب، بل تحاول الاقتراب من الحقيقة الكامنة خلفه، وتفتح الملفات التي يراد لها أن تبقى مغلقة، وتمنح الصوت لمن حُرم من إيصال صوته.
لهذا، كانت الصحفيات الكرديات أمام تحديات مضاعفة. فإلى جانب المخاطر التي تواجه الصحافة في البيئات المضطربة، كانت المرأة تواجه أيضاً ذهنية تنظر إليها باعتبارها أقل قدرة على خوض المجالات العامة، وتعمل على حصر دورها في مساحات ضيقة لا تتناسب مع طاقاتها وإمكاناتها.
لكن المرأة الكردية اختارت طريقاً آخر؛ طريق الحضور والمشاركة والمواجهة، وأثبتت أن القلم لا جنس له، وأن الكاميرا لا تعرف سوى الحقيقة، وأن المرأة قادرة على أن تكون في قلب الحدث، لا على هامشه.
وفي هذا السياق، تبرز سيرة غربت آلي أرسوز بوصفها واحدة من التجارب التي اختصرت الكثير من معاني الصحافة الحرة.
ابنة شمال كردستان، التي كرست سنوات من حياتها للعمل الصحفي في ظروف شديدة القسوة، لم تتعامل مع الصحافة باعتبارها وظيفة، وإنما باعتبارها مسؤولية تجاه الحقيقة والمجتمع. عملت في ظل سياسات استهدفت الصحافة الكردية الحرة، وفي ظروف كانت فيها الكلمة الحرة نفسها تحمل ثمناً باهظاً.
كانت تؤمن بأن الصحافة تستطيع أن تسهم في بناء مجتمع أكثر حرية، مجتمع يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بأمان وكرامة، وأن يعبر عن رأيه، وأن يمتلك حقه في معرفة الحقيقة.
ولهذا، لم تكن غربت مجرد صحفية تحمل قلماً أو كاميرا؛ كانت امرأة أدركت مبكراً أن الكلمة يمكن أن تكون ذاكرة، وأن الصورة يمكن أن تصبح شاهداً على زمن بأكمله
لقد حملت قضايا شعبها وواقع المرأة في قلمها وعدسة كاميرتها، وحاولت أن توثق ما كان يمكن أن يضيع في زحمة الأحداث والصراعات. وبذلك تحولت الصحافة بالنسبة إليها من مجرد نقل للوقائع إلى صناعة للذاكرة الجماعية.
ومن هنا جاءت مكانتها كواحدة من رائدات الكلمة والصورة، وكاسم بقي حاضراً في مسيرة الصحافة الكردية حتى بعد رحيلها.
ولعل أكثر ما يؤكد حضور إرثها اليوم هو اتساع مساحة الإعلام الذي تقوده النساء، وتزايد المؤسسات والمنصات الإعلامية التي تتناول قضايا المرأة، سواء داخل كردستان أو خارجها. فمن الوكالات الإخبارية المتخصصة، إلى القنوات التلفزيونية والمجلات والصحف، وصولاً إلى المنصات الرقمية، أصبحت المرأة أكثر حضوراً في صناعة الخبر، وإنتاج الصورة، وكتابة الرأي، وتحليل الأحداث.
هذا الحضور لم يأتِ من فراغ، وإنما هو حصيلة تراكم طويل من النضال والعمل والتضحيات، ساهمت فيه صحفيات وإعلاميات كثيرات، ودفع بعضهن حياتهن ثمناً للكلمة التي اخترن حملها.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتعدد فيه مصادر المعلومات، وتزداد فيه محاولات توجيه الرأي العام وصناعة الصور النمطية، تتضاعف مسؤولية الإعلام النسائي. فالإعلام ليس محايداً دائماً في الطريقة التي يقدم بها المرأة؛ إذ يمكن أن يكون أداة لتكريس الصورة النمطية، كما يمكن أن يكون وسيلة لتحطيمها.
ومن هنا تأتي أهمية إعلام المرأة؛ إعلام لا ينظر إلى المرأة باعتبارها موضوعاً للخبر فحسب، وإنما يراها شريكة في صناعة الخبر والقرار والحياة العامة.
فالمرأة ليست صورة تُستخدم في الإعلانات، ولا رقماً في الإحصاءات، ولا ضحية تُستحضر عند وقوع المأساة فقط. إنها سياسية ودبلوماسية وكاتبة وصحفية وطبيبة ومعلمة وقيادية وصانعة قرار، وقبل ذلك كله، إنسان يمتلك الحق في أن يرى نفسه كما هو، لا كما تريد الذهنية الذكورية أن تصوره.
ومن هذه الزاوية، يصبح الإعلام الحر مساحة لمواجهة الصور النمطية، وكشف أشكال العنف والتمييز، وإبراز قصص النساء اللواتي يصنعن التغيير في مجتمعاتهن، بعيداً عن المفاهيم التي تختزل المرأة في دور واحد أو تضعها في مرتبة ثانية.
لقد استطاع إعلام المرأة الكردية، خلال مسيرته، أن يفتح ملفات كثيرة بقيت طويلاً في الظل، وأن يسلط الضوء على قضايا النساء ومعاناتهن ونضالاتهن، وأن يمنح مساحة لأصوات لم تكن تجد طريقها بسهولة إلى وسائل الإعلام.
ولهذا فإن يوم صحافة المرأة الكردية ليس مجرد تاريخ في التقويم الإعلامي، ولا مناسبة للاحتفاء بالصحفيات فحسب؛ إنه يوم لاستذكار طريق طويل شقته نساء اخترن القلم والكاميرا في مواجهة الخوف، واخترن الحقيقة في مواجهة الصمت، ودفع بعضهن حياتهن ثمناً لإيمانهن بما كتبن ونقلن ووثقن.
وفي هذا اليوم، تعود غربت آلي أرسوز إلى الواجهة، لا بوصفها ذكرى بعيدة، بل بوصفها جزءاً من حاضر الصحافة الكردية ومستقبلها.
تعود من خلال كل صحفية تحمل قلمها بحثاً عن الحقيقة، ومن خلال كل إعلامية تقف خلف كاميرتها لتوثق حدثاً، ومن خلال كل امرأة ترفض أن تكون صورتها مصنوعة بأيدي الآخرين.
لقد رحلت غربت، لكن الكلمة التي حملتها لم ترحل، والصورة التي وثقتها لم تفقد معناها، والإرث الذي تركته لم يتوقف عند حدود جيلها.
ستبقى غربت آلي أرسوز وجميع الصحفيات الشهيدات حاضرات في ذاكرة الكلمة والصورة، ما دام هناك من يؤمن بأن الصحافة تستطيع أن تصنع فرقاً، وأن الحقيقة تستحق أن تُقال، وأن للمرأة الحق في أن تكون صاحبة صوت ودور ومكان في صناعة مستقبل مجتمعها.
تم اختيار هذه المقالة من العدد السادس من مجلة نيسان.