نضال المرأة الإيزيدية بين مطرقة الإبادة وسندان التحرر الفكري

نضال المرأة الإيزيدية بين مطرقة الإبادة وسندان التحرر الفكري
رىحام حاجو
في الوقت الذي كانت فيه القوى الإقليمية والدولية تراهن على انكسار المجتمع الإيزيدي بعد عقد من أبشع إبادة جماعية شهدها القرن الحادي والعشرون، جاء عام 2025 ليفاجئ العالم بنهضة لم تكن مجرد عملية إعادة إعمار للبناء، بل كانت إعادة صياغة شاملة للبشر والوعي. هنا في شنكال، لم تعد المرأة الإيزيدية هي تلك الضحية التي يبكي عليها العالم، بل استوت على عرش الريادة، محولةً جراحها إلى درع تنظيمي وفلسفي لا يلين، بفضل فلسفة القائد التي أصبحت اليوم القلب النابض لمشروع الأمة الديمقراطي .
إن المتأمل في مشهد المجتمع الإيزيدي والمرأة اليوم، يدرك أن السر الكامن وراء هذه القوة الجبارة يكمن في البوصلة التي قدمها القائد الأممي “عبد الله أوجلان” (آبو). فمن خلال فلسفته التي ترى في حرية المرأة “حرية للمجتمع بأسره”، استطاعت النساء الإيزيديات كسر أغلال الذهنية الأبوية المتجذرة والقيود التي فرضتها الأنظمة المركزية. لقد كان فكر القائد “آبو” هو النور الذي أنقذ الروح الإيزيدية من ظلمات اليأس، حيث تحول شعار “المرأة، الحياة، الحرية” (Jin, Jiyan, Azadî) من كلمات تُهتف في المسيرات إلى ممارسة يومية في تنظيم الذات ونشر الوعي ورفع وتيرة النضال .
لقد برز دورنا في حركة (TAJÊ) في عام 2025 بشكل أقوى من أي وقت مضى، حيث لم تعد مجرد منظمة نسوية، بل غدت مدرسة فكرية وسياسية تقود دفة المجتمع. من خلال ترسيخ نظام “الأمة الديمقراطية وحرية المرأة”، أثبتت المرأة الإيزيدية أن الإدارة الحقيقية هي تلك التي تتشارك فيها إرادة الجنسين بعدالة ومساواة. هذا النموذج الذي نادى به القائد “آبو” لم يحمِ المرأة سياسياً فحسب، بل حصّن المجتمع ضد محاولات التفتيت والتبعية، وجعل من شنكال قلعة عصية على الاتفاقيات السياسية التي تُبرم فوق رؤوس أهلها.
وعلى الصعيد الاجتماعي، خضنا في حركة المرأة معركتنا الأكثر قداسة ضد ما يُعرف بـ “الحرب الناعمة”. ففي مواجهة استهداف إرادة المرأة عبر نشر ثقافة الاستسلام واليأس، والتي تجلت في ظاهرة الانتحار المؤلمة خاصة في المخيمات، رفعت الحركة راية الوعي الفكري. وبفضل التدريب المستمر على نهج القائد، تحول النضال ضد الانتحار إلى معركة لتنظيم الحياة؛ فالموت لم يعد خياراً للمرأة التي أدركت قيمتها الكونية وقدرتها على التغيير. لقد علمتهم فلسفة القائد أن “التمسك بالحياة المنظمة هو الرد الأمثل على محاولات الفناء.”
إن نهضة شنكال في عام 2025 هي رسالة مدوية لكل القوى الظلامية؛ أن الإرادة التي تتسلح بفكر حر وتنظيم صلب لا يمكن هزيمتها. المرأة الإيزيدية اليوم، وبقيادة (TAJÊ) وإلهام القائد “آبو”، لا تبني شنكال الحرة فحسب، بل ترسم للإنسانية جمعاء خارطة طريق نحو الحرية الحقيقية، مؤكدةً أن فجر الديمقراطية في الشرق الأوسط يشرق من قمم جبال شنكال وبسواعد نسائها المناضلات.
إن ربط الانتحار بـ “الإبادة المستمرة” هو تشخيص سياسي وفلسفي دقيق جداً؛ فهو ينقل القضية من مجرد “حدث نفسي فردي” إلى قضية وجود وطني ومجتمعي، وصمود في مواجهة الفناء، وصرخة في وجه النزيف. تعتبر ظاهرة الانتحار اليوم من أخطر التحديات الوجودية التي تواجه المجتمع الإيزيدي؛ إنها الجرح النازف الذي خلفته إبادة عام 2014، والتهديد الصامت الذي يلاحقنا في مخيمات النزوح وعلى أرضنا.
تأتي حملتنا “لا للانتحار.. كل انتحار إبادة” كصرخة استغاثة وفعل مقاومة جاد لوقف هذا النزيف البشري؛ فنحن نؤمن أن استمراريتنا هي الرد الأمثل على محاولات محونا. إن انتحار أي فرد، ولا سيما النساء والشباب، ليس حادثاً معزولاً، بل هو امتداد لعملية الإبادة الجسدية والنفسية التي بدأها تنظيم “داعش”. إن الهدف الجوهري للإبادة هو تفريغ المجتمع من طاقاته وكسر إرادته الجماعية، وما يعجز العدو عن تحقيقه بالسلاح، يحققه اليأس بالانتحار..
من الانكسار إلى النهضة :
لمواجهة هذا الخطر الداهم، نطرح مسارات عمل متكاملة :
الدعم النفسي المتخصص: تأسيس مراكز تأهيل تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع الإيزيدي، وتتعامل مع “صدمة الإبادة” كحالة مركبة.
السيادة الاقتصادية: إطلاق مشاريع تمكين صغيرة للنساء والشباب لتعزيز استقلاليتهم وربطهم بالأرض والحياة من خلال العمل
إعادة صياغة الوعي المجتمعي: لاعتبار طلب المساعدة النفسية “فعل شجاعة” وليس “وصمة عار”، وتحطيم القيود التي تكبل إرادة المرأة.
إن حماية الإنسان الإيزيدي تبدأ من الداخل عبر:
التكافل الروحي والاجتماعي: العودة إلى قيم المساندة الجماعية، واحتضان الناجين بدلاً من تهميشهم.
دور الشخصيات الدينية والاجتماعية: في نشر خطاب “تقديس الحياة” ومحاربة ثقافة اليأس.
تحويل قضية الانتحار: من “طابو” مخفي إلى قضية رأي عام تتطلب علاجاً جمعياً وحواراً أسرياً مفتوحاً.
وفي الختام: البقاء هو المقاومة.
إن شعارنا “كل انتحار إبادة” هو تلخيص للحقيقة المرة؛ فكل روح نفقدها هي انتصار جديد لأعداء الوجود الإيزيدي. إن حماية الفرد من اليأس هي مسؤولية تبدأ من الأسرة وتصل إلى المجتمع الدولي. لن نمنح النظام الرأسمالي القاتل فرصة إبادتنا بأيدينا.. فالبقاء هو أعظم أشكال المقاومة.
في عام 2026: “أمانينا ليست أحلاماً، بل هي حقوق سننتزعها بنضالنا”. إن تحرير القائد عبد الله أوجلان، واستعادة حرية الأسرة، وتوحيد البيت الإيزيدي، هي الثالوث الذي سنبني عليه قيامتنا الجديدة. فنحن لم نولد لننكسر، ولم يعد الصمت خياراً، بل صار “التمني” فعلاً مقاوماً و”النضال” أسلوب حياة. نحن النساء الإيزيديات اللواتي عبرن من خلال النار، نصيغ اليوم عهدنا الجديد، عهد القوة والسيادة.
نضالنا من أجل “الرمز والقائد”: حرية الفكر هي الوجود..
نتمنى أن نرى شمس الحرية تشرق على قائدنا، ونناضل لأننا نؤمن أن سجن الجسد لا يقيّد الفكر الذي زرع فينا بذور التمرد على العبودية. نضالنا اليوم هو تأكيد على أننا تلميذات تلك المدرسة التي علمتنا أن المرأة هي “الحقيقة” لا “الضحية”. تحرير القائد بالنسبة لنا هو استرداد للعدالة المسلوبة، وإعلان لانتصار الفكر الحر على ظلامية القيود.



